كشفت قرارات الحكومة المصرية في ملف العدادات الكودية عن تحميل المواطنين تكلفة تعطل التصالح في مخالفات البناء، بعد تطبيق سعر موحد للكهرباء بلغ 2.74 جنيه لكل كيلووات ساعة بدلا من 2.14 جنيه، مع إلغاء نظام الشرائح وفتح أزمة اجتماعية وقانونية واسعة.

 

وتضع هذه الأزمة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأنها لم تضع آليات محددة وسهلة للتصالح، ثم عاقبت المواطنين بفاتورة كهرباء أعلى، بينما يفترض أن تعالج مخالفات البناء عبر قانون التصالح لا عبر خدمة أساسية يدفع ثمنها محدودو ومتوسطو الدخل يوميا.

 

السعر الموحد يحول العداد الكودي إلى عقوبة مالية

 

في البداية، قدمت الحكومة العداد الكودي باعتباره وسيلة مؤقتة لتقنين استهلاك الكهرباء داخل الوحدات المخالفة، وحماية الشبكة من سرقات التيار، واحتساب الاستهلاك الفعلي، لكن القرار الجديد نقل العداد من أداة تنظيم إلى وسيلة ضغط مالي على ملايين الأسر.

 

وبعد تطبيق السعر الموحد، فقد المواطن حقه في نظام الشرائح الذي يحاسب الاستهلاك المنزلي بالتدرج، فأصبح صاحب الاستهلاك المحدود يدفع من أول كيلووات بنفس سعر الاستهلاك المرتفع، وهو تغيير جوهري في فلسفة تسعير الكهرباء لا مجرد تعديل إداري محدود.

 

كما أن الشركة القابضة لكهرباء مصر نفت المحاسبة بأثر رجعي قبل أبريل 2026، لكنها أكدت المحاسبة بسعر التكلفة من ذلك الشهر، وهذا لا ينفي أن المواطن فوجئ عند الشحن بزيادة كبيرة وخصومات مفاجئة مرتبطة بتغير نظام المحاسبة داخل الشهر نفسه.

 

ويرى المحامي والخبير القانوني محمد علي أن محاسبة مستخدمي العدادات الكودية بسعر موحد أعلى من مستخدمي العدادات التقليدية تطرح شبهة عدم دستورية، لأن الخدمة واحدة والسلعة واحدة، بينما يختلف السعر بسبب حالة العقار لا بسبب تكلفة الكهرباء أو كمية الاستهلاك.

 

لذلك لا تبدو المسألة خلافا فنيا حول سعر الكيلووات، بل تبدو خلطا بين عقوبة مخالفة البناء وتسعير الكهرباء، فوزارة الكهرباء تقدم خدمة عامة وليست جهة عقاب عمراني، وقانون التصالح هو المسار الذي يحدد غرامات المخالفة وإجراءاتها وآثارها القانونية.

 

التصالح المعطل لا يبرر تحميل المواطن فاتورة أعلى

 

ثم تظهر جذور الأزمة في بطء إجراءات التصالح وعدم وضوح المسارات أمام المواطنين، إذ تقدم آلاف الملاك بطلبات وسددوا رسوما وانتظروا نماذج قانونية، لكنهم ظلوا عالقين بين المحليات والكهرباء وجهات أخرى، ثم وجدوا أنفسهم تحت تسعيرة أعلى قبل انتهاء إجراءاتهم.

 

وبحسب قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023، يفترض أن يتعامل المواطن مع ملف المخالفة عبر لجان وإجراءات محددة ونماذج قانونية، لكن القرار العملي جعل الكهرباء أداة ضغط موازية، فصار المواطن يدفع للتصالح من ناحية ويدفع سعرا أعلى للكهرباء من ناحية أخرى.

 

وقد قالت رضوى النوساني، عضو هيئة تدريس بجامعة طنطا، إن المواطن الحاصل على نموذج 3 يكون تحت التقنين وليس مخالفا هاربا، واعتبرت أن تطبيق سعر كهرباء مرتفع عليه بلا شرائح يمثل عقوبة مادية تخالف روح قانون التصالح ومبدأ المساواة الدستوري.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح جوهر المشكلة في غياب الآلية المحددة للتصالح، لأن الحكومة تطالب المواطن بتقنين وضعه، ثم تعرقل الإجراءات أو تتركها معقدة، وبعد ذلك تحاسبه كأنه رفض التقنين، وهذا ترتيب يضرب الثقة في القانون ويحول الخدمة إلى عقوبة.

 

كذلك زادت الأزمة مع مطالبة بعض المواطنين بموافقات إضافية رغم حصولهم على نماذج تصالح قانونية، وهو ما يضاعف التعقيد الإداري والمالي، لأن المواطن لا يعرف الجهة صاحبة القرار النهائي، ولا يعرف متى ينتقل من عداد كودي إلى عداد رسمي بنظام الشرائح.

 

أعباء إضافية تمس العدالة الاجتماعية والدستور

 

في المقابل، تدافع الحكومة عن السعر الموحد باعتباره حقا للدولة واستردادا لتكلفة الكهرباء من وحدات مخالفة، لكن هذا الدفاع يتجاهل أن الدستور يفرض مراعاة العدالة الاجتماعية، وأن محدود الدخل لا يجوز أن يتحمل ثمن فشل المحليات في إنهاء التصالح ومواجهة الفساد الإداري.

 

كما أن تحميل المواطن فاقد الكهرباء الناتج عن مخالفات البناء أو سرقات التيار يخلط بين المسؤوليات، لأن وزارة الكهرباء مسؤولة عن تحديث الشبكات ومواجهة السرقات وتحسين الرقابة، ولا يجوز أن تنقل ضعف الإدارة إلى فاتورة موحدة يدفعها كل صاحب عداد كودي.

 

ويقول الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب إن التعريفة الموحدة للعداد الكودي بسعر 2.74 جنيه مبالغ فيها، وتضع شريحة من المواطنين أمام تكلفة لا تتناسب مع أوضاعهم، خاصة أن عددا كبيرا من أصحاب هذه العدادات ينتمي إلى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.

 

وبناء على ذلك، فإن ربط الكهرباء بملف التصالح لا يصح بهذه الطريقة، لأن المواطن الذي يستهلك طاقة داخل شقة صغيرة لا يستهلك سلعة مختلفة عن جاره صاحب العداد الرسمي، والتمييز في السعر يحتاج أساسا واضحا ومعلنا لا مجرد وصف العقار بالمخالف.

 

وفي الخلفية، جاء طلب الإحاطة المقدم من النائب سمير البيومي كدليل جديد على اتساع الغضب، لكنه لا يجب أن يحجب أصل الأزمة، فالمشكلة لا تبدأ داخل البرلمان، بل تبدأ عندما تفرض الحكومة أعباء إضافية قبل أن توفر طريقا واضحا وعادلا للتصالح.

 

ومن هنا تحتاج الحكومة إلى فصل ملفين مختلفين، فالتصالح يعالج المخالفة الإنشائية عبر قانون واضح، والكهرباء تحاسب الاستهلاك الفعلي عبر تعريفة عادلة، أما دمج الملفين في سعر واحد مرتفع فيجعل العداد الكودي أداة جباية لا وسيلة تنظيم.

 

كما تحتاج الدولة إلى إعلان مسار محدد للتحويل من العداد الكودي إلى العداد الرسمي، يشمل مواعيد واضحة، ونماذج مطلوبة، وجهة مسؤولة، وموقف أصحاب نموذج 3 و8 و10، لأن استمرار الغموض يجعل المواطن يدفع يوميا ثمن قرار لا يعرف كيف يخرج منه.

 

وتبقى الخلاصة أن أزمة العدادات الكودية ليست مجرد زيادة من 2.14 إلى 2.74 جنيه، بل أزمة حكم وإدارة وعدالة، فالحكومة عطلت التصالح أو عقدته، ثم حملت المواطنين فاتورة إضافية، بينما يفرض الدستور حماية الأضعف لا تحويل احتياجاتهم الأساسية إلى عقوبة.